عبد الوهاب الشعراني
309
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
فسمعت صياح الذبابة فوجدت الشق ضيقا لا يسع الأصبع ، فأدخلت عودا برفق واستخرجتها وخلصتها من ضبع الذباب ، فأفاقت أم عبد الرحمن في الحال وزغرتت أمها هذا أمر وقع لي . وقد تقدم في هذه العهود أن سيدي أحمد بن الرفاعي وجد بأم عبيدة كلبا أجرب أبرص أجذم عافته نفوس الناس وأخرجوه من البلد ، فمكث الشيخ يخدمه في صحراء أم عبيدة نحو أربعين يوما ، وعمل عليه مظلة من الحر وصار يدهنه حتى برئ وغسله بالماء الحار ، وقال : خفت أن يقول اللّه لي يوم القيامة : أما كان فيك رحمة تشمل كلبا من خلقي ا ه . وسمعت أخي أفضل الدين مرة يقول : من الأدب إذا ركب العبد دابة أن يرحمها بالنزول عنها ولا يركب إلا عند الضرورة . ورأيته رضي اللّه عنه قلب حافر الحمارة لما نزل من عليها وقبله ، وقال : اجعليني في حل وصار يعتذر إليها كما يعتذر لمن اعتدى عليه من الناس رضي اللّه عنه . وكان يقول : لا ينبغي لفقير أن يجعل للنمل الطائف على رزقه مانعا يحول بينه وبينه من قطران ونحوه إلا بعد أن يخرج له نصيبا معلوما من ذلك ويضعه له على باب جحره ا ه . وهذا العهد قد صار غالب الخلق لا يلتفت إلى العمل به حتى حملة القرآن ، بل صار الناس يضربون المثل بحرمانهم القطة من طعامهم ، ويقولون : صار فلان وفلان يأكلون من الشيء الفلاني ، وأنا واقف أنظر إليهم لا يرمون لي شيئا مثل قطة الفقيه . فارحم يا أخي الخلق على حسب درجاتهم وتفاوتهم على الوجه الشرعي ، واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان وأحمد والترمذي مرفوعا : « من لا يرحم النّاس لا يرحمه اللّه » . زاد في رواية للإمام أحمد : « من لا يغفر لا يغفر له » . وروى الطبراني ورواته رواة الصحيح مرفوعا : « لن تؤمنوا حتّى تراحموا ، قالوا : يا رسول اللّه وكلّنا رحيم ؟ قال : إنّه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمة العامّة » . وروى الطبراني بإسناد حسن مرفوعا : « من لم يرحم النّاس لم يرحمه اللّه » . وفي رواية له بإسناد جيد قوي مرفوعا : « من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السّماء » . وروى أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح مرفوعا : « الرّاحمون يرحمهم الرّحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء » . وروى الإمام أحمد بإسناد جيد : « ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر لكم ، ويل لأقماع